سهول الطين

February 24, 2012 § Leave a comment

أفقتُ يوم الأحد متحمّساً لقضاء عدّة ساعات امام شاشة الكمبيوتر أحتسي القهوة الأمريكية المحلاّه قليلاً والمخلوطة بالحليب كامل الدسم. بدأتُ بفتح نافذة للوحة المفاتيح العربية الأثيرية للكتابة بالعربية على جهازي الأعجمي، ثمّ نقلت النص العربي إلى نافذة محرّك البحث قوقل. وعندما رأيت النتائج كنت على وشك قول “الحمد لله الذي سخّر لنا هذا وما كنّا له بمقرنين” قبل أن أُذكّر نفسي أنّ الحمد والشكر يعود إلى ألوفٍ مؤلفة من العلماء الغربيين بالغالب وبعضٌ من الشرق الأقصى كذلك.أوّل العبارات التي أدخلتها بمحرك البحث كانت “أحمد بن علي بن يوسف البوني”. وشعرت بالنصر المباشر والسريع حيث وجدت النص الكامل للجزء الأول من كتاب “شمس المعارف الكبرى ولطائف العوارف”. كُتِبَتْ “شمس المعارف الكبرى” بخطّ ثُلُثِيّ كبير الحجم وبالغ الجمال، في حين كتبت “ولطائف العوارف” بخطّ صغير لا يكاد يرى مقارنة بخط الثلث. وكان أول ما بدر بذهني عندما رأيت تداخل الحروف بعنوان الكتاب أنّه من السهل الآن عليّ فهم لماذا تأخرت المطابع العربية ما يقرب من ثلاثمئة عام بعد غوتنبرغ؛ لا بدّ أن صفّ الحروف العربية كان كابوساً للطابعين خصوصاً أن كل حرف يبدو مختلفاً بين بداية الكلمة ووسطها وآخرها.

إعتلت وجهي إبتسامةٌ وأنا أطبع الجزء الأوّل على آلة الليزر المصاحبة للكمبيوتر بلمسةٍ واحدةٍ من ال “ماوس” وأنا ما زلت أرتدي روب النوم وبيدي الأخرى فنجان قهوة. فكّرت بسخافة كلمة “فأر الحاسوب” وكنتُ ممتناً للتكنولوجيا الحديثة حيث كنت أكره قراءة النصوص على الشاسة في حين يمكنني الآن الإسترخاء على أريكة الجلد مع النسخة الورقية لشمس المعارف.

للأسف لم يدم حماسي طويلاً، فبعد عدة صفحات فقدت الرغبة بمواصلة القراءة وبدأت أقلّب الأوراق باحثاً عن الجداول والرسومات قبل أن أقنع نفسي أنّ الكتاب عديم الفائدة من الناحية العملية-رغم أنّه ذا معنىً شاعري بحت بسبب إرتباطه بذكريات طفولتنا البائدة وبرائتنا كأطفال وسرعة تصديقنا بذلك الوقت للخزعبلات والطلاسم. تسائلت ما الذي حذى ببعض الحكومات العربية لمنع تداول الكتاب. لم يكن من المعقول أن تشكل هذه الخزعبلات خطراً على تفكير العربي أو العربية إلاّ إذا كان السادة مقتنعين ببلاهة وغباء مواطنيهم ومواطناتهم. صدق من قال “كل ممنوع مرغوب.” أحزنتني خيبة الأمل لإكتشافي بعد كل هذه الأعوام أن الكتاب الذي إعتقدت يوماً ما أنّ فيه أسرار ما وراء الطبيعة وحكمة الدهر لم يكن سوى هذيان أسوأ من هذيانات القذافي في كتابه الأخضر.رميت مجموعة الأوراق بسلّة المهملات، ثمّ إسترجعتها متحسّراً على الورق والحبر المهدور ووضعت الجزء الأول من شمس المعارف الكبرى بالصندوق الكرتوني الأوّل الذي أُفرغت من محتوايته تماماً بعد أن وضعت عاضّاً معدنياً أسود اللون على الزاوية اليمنى العليا لمجموعة الأوراق لحفظ ترتيبها وإبقائها مع بعضها البعض. عدتُ إلى التفكير متسائلاً حول المعنى الذي حمله ذلك التاريخ أو على الأصح المعنى الذي ألصقه عبدالله بذلك العام بالمستقبل البعيد. ثمّ عدت إلى أحد الجداول بشمس المعارف الممزوجة بالأحرف والأرقام ولم أستهدي إلى طريقةٍ لفك رموزها. كنت سمعتُ أنّ العرب كانت أحياناً تستخدم التأريخ بالأحرف ولكنّي لم أكن بمزاج لأن أتعلّم شيئاً جديداً خصوصاً صباح الأحد.

ذهبتُ إلى الكمبيوتر لأغذي إدماني على الأخبار السياسية ثمّ إلى بريدي الإلكتروني. وصلتني رسالة غير ورقية من صديقي الإيراني الملحد. كان يستشيرني (أو ربما كان يفكر بينه وبين نفسه) عن سبب داء الملل وهل كانت طريقة الحياة الأمريكية المعاصرة وراء ذلك: “قديما كان البشر يستعبدون بعضهم البعض للعمل دون مقابل ولكن العبيد كانوا يسكنون ويأكلون على نفقة السيّد، أمّا الآن فإنّ السيّد يعيطك مبلغاً من المال لتذهب وتؤمن لنفسك المسكن والملبس. نعم، خطوةٌ إلى الأمام ولكنها ليست خطوة كبيره. ما هذه الحياة التي ليس بها سوى العيش يومين فقط من الأيام السبعة. وحتّى هذين اليومين ما هما إلاّ إستراحةً كي تبدأ العمل من جديد صباح الإثنين. هذة الدوّامة المفرغة هي التي تدفع الكثير إلى الإدمان على الكحول والإكتئاب والطلاق وغير ذلك من العلل التي قلّما ينفع بها الدواء”. تذكّرتُ أنّ غداً الإثنين-بداية أسبوع العمل المضني بأمريكا-وشعرتُ بالإنقباض ووجدتني أوافق على نظرية زميلي الإيراني حول العبودية الجديدة.

Comments are closed.

What’s this?

You are currently reading سهول الطين at houran.me.

meta

%d bloggers like this: